Saturday, December 18, 2010

حُزن





 لم يمت..بل سكن جسده في الخامسه والنصف مساء يوم ١٢-١١.
ظل بيننا يحاول ان ينسينا مشهد جسده الساكن يتنقل بيننا يذكرنا بحكاياتة وابتساماته.
حينما يشتد الحزن علي ابي يتوضأ ويصلي ..توضأابي وصلي فور وصوله الخبر الحزين.
اذا محا تكشيره وجهك واكتفي برسم ابتسامه فهو ليس بكامل مزاجه واذا ابدلها بضحكات فهو في نصف مزاجه ويكون في كامل مزاجه فقط حينما تقهقه من قلبك وتسقط دموعك وتألمك معدتك ..تتجول روحة بين الجالسين مد الي يده وحكي لي
عن جمال (رجل يفقد نصف عقله) اخذوه ليخطب سعاد بنت عم عبد الحميد سعاد من اجمل بنات البلد ,البسو جمال البدله واعادو علي مسامعه ما سيقوله لعم عبدالحميد ,دخل جمال وقال لعم عبدالحميد "أني دلوقتي وصلب سن الجواز والحمد لله عندي الاوضه والارض وبزرع وبركب الحمار حماري وبروح المنصوره لوحدي","سعاد هاتي المقشه ياسعاد ..اطلع بره ياابن الكلب ياوسخ".
مد يده لابن عمي وذكره بالامس قبل سكون جسده بيوم قال لة ابن عمي في المستشفي وعم عبده جالس علي السرير مطئطئ الراس "ايه ياعم عبده دا انا كنت جايبلك بطه وانا جاي"فرفع راسه "بطه ..لا خلاص بقه" واحني رأسه ثم رفعها مره اخري "انا عايز ارنب "فاانفجروا في الضحك ,فنغزه اخوه"قوم ياابن الشرموطه قوم دا انت مش قادر تاخد نفسك وعايز ارنب","مش الارنب اكل العينين"
صلي عليه ابي وقرأ ايات الرحمة من القرآن والانجيل وقرأ قصائد شعر..
ولم نتوضأ..لم يتوضأ احد ..صلينا بلا وضوء لنحتج علي القدر .
احد الجالسين ظل يحملق في الكفن ثم ارتعشت اطراف جسده..بشده..أكثر عصبيه..ثم قام وصرخ بصوت مرتفع وهو يتوجه نحو الكفن "هل يموت الذي يحيا كأن الحياه أبد..هل يموت الذى يحيا كأن الحياة ابد ..هل يموت الذى يحيا كأن الحياة أبد"قام الناس واعترضوا طريقه وحاولو ان يهدئوه وهو يصرخ ويرتعش "هل يموت الذي يحيا كأن الحياه ابد "ثم اغمي عليه .
في الطريق نحو رقدته الآخيره ,سار وراءه الألاف بلا مبالغه ..لم يأتي احد منهم لابنه او لاخوه او لأنة كان صاحب جاه او منصب او عالم جليل بل لأنة هذا الرجل ذو الرأس الصغير الاسمر وحركاته الخفيفه المرحه وحكاياته المضحكه وابتساماته التي لا تفارقه ,هو من النادرين الذي يسلم عليك بقلبه ليس سلاما عابرا بيده ويقبلك بقلبه ويسأل عن احوالك بقلبه ,جاء احد جيرانة يزوره في المستشفي يبكي ويقبل راسه ويحدث نفسه"مين الي هيشتمني ياعم عبده ويضايق فيه"ويبكي بحرقة لمرضه .
انتحب الجميع اثناء دخوله القبر .جلس ملك بجواري على المصطبة أمام القبر يواسيني وانا مجهش في البكاء ..فسألته بين دموعي "هل للسماء دور في سكون جسده",اقسم لي ان السماء ليس لها يد في هذا ولولا ان عصر المعجزات قد ولي لاعادو روحه الي جسده الساكن.
اقسم لي انة خطأ وهمس لي بين دموعه"هل يموت الذي يجيا كأن الحياه ابد",لم اجد عم عبدو حولي سألت الملك فقال لي انه ذهب ليسلم علي من سبقه والده ووالدته واصدقائه واقسم لي الملك اني لو ونظرت بعينه للسماء لرأيت الحزن غيم علي أهلها في المنزل ظلت الذكريات تطارد ابي ..كان يأتينا في اي وقت" ياحاج صابر.. ياحاج صابر" ينادي بصوت مرتفع جدا ولا يتوقف حتي يخرج الحاج صابر يخرج له عمي"انت فتحت السرينا يااخويا".
اذا سرت في المنتصف علي يمينك عم عبده وعلي يسارك ابنة وسألك عم عبده عن من تعمل او اسماء الدكاتره الذين يدرسون لك وبالتاكيد سيكون علي صله بأحدهم لانة سمكري معروف فيقول لك لو احتجت حاجه من فلان قولي فيهمس لك ابنة علي اليسار"سيبك منه ياعم والله مهو عارف حاجه","اسكت انت ياابن الكلب ياوسخ"ويشتبكان في خناقه ",حتي والدته كانت تحيا كأن الحياه ابد بظلها الخفيف وحركاتها الرشيقه وافعالها المضحكه تشكل القراطيس وتخرم بالدبوس من عين ام ....وعين ام ...وتحرك القرطاس.لدرجه ان ابي واصدقائه يسجلون لها علي شرائط دون ان تلحظ .ظلت الذكريات تحاصر ابي وهو جالس بيننا حتي بكي .
كنت سعيدا حينما اختارني من بين ما اختارهم ليتسلل الي احلامهم في ليلته الاولي ,رايته سعيدا يبتسم يتجول مع اصدقائه في ساحته المفضله.
بعد موته توصلت لحقيقه مطلقه اذا اردت ان يطيل عمرك كن عبوسا في وجوه الناس كن قبيحا في تعاملاتك كن قاسيا كن احمق ومغرور واملئ قلبك دوما بالمزيد من الاحقاد والغل لان الموت لا يختار سوي الناس الطيبون لا يختار سوي القلوب التي تنام كل ليله صافيه .
لا احد يدعو له بالرحمة والمغفره بل نتوسل لروحه ان تدعو لنا بالرحمه والمغفره.
           

No comments:

Post a Comment