Wednesday, September 3, 2014

المخلص ر.ر.ر


في العاشرة من عمري في ليلة شتوية ,يجلس علي سريره تحت البطانية يقرأ " في ظلال القرآن " بجلدته الخضراء وأوراقه المتكدسة بهوامش بخط يده , وامام السرير مكتبة بيضاء ممتلئه بالكتب
"ناداني " تعالا اقرأ لي
جلست بجواره, كنت صغيرا استطيع مد رجلي الي آخرها وانا اجلس ظهري للحائط ,وهو ظهره للسرير وبالكاد استطيع القراءه أخطأت فى القراءه عدة مرات وضحكت, وهوا يصحح لي كلمات الكتاب المعقده ,قرأت صفحه او اثنين وتركني اعود للعب

هذه هي اول صورة لي معه ,وهو طبيب ناضل مع الطلاب فى الجامعة بدأ يساريا وفي نهاية الثلاثينات اسلاميا فى صفوف جماعة الإخوان المسلمين وتعرف علي "آمال" زميلته فى الجامعة وفي النضال لكنها توقفت واصبحت تناضل "في المطبخ " كما يقول ويضحك , فى الخامسة والاربعين قال رب هب لي من الصالحين,فبُشر بابراهيم آخر ابناءه بعد ولد وبنتان

ناداني في ليلة آخري وقال لي "صباح غد ستذهب لتشتري جريده الأهرام " سمع خطوات قدمي وانا عائد فناداني وفتح الجريده وهوا بين اليقظه والنوم " فين الملحق" طلب مني العوده لآخذ من البائع ملحق "كتاب فى جريده " قطعت الطريق مرة أخري لأحضر كتاب فى جريده باوراقه المتلاصقة وجلست معه ليلا نفك الاوراق المتلاصقة بالمسطره

اصطحبني معه للأراضي الزراعية يحدثني عن الخلق وعن الطبيعه وعن عظمه الله والكون وشرح لي كيف ينمو النبات وكيف يتبخر الماء ويصعد للسماء ثم يهبط مطرا

تقدمت في المراحل الدراسية واتقنت القراءه واصبح يلح علي بقراءه كتبه " لازم الانسان يبقي مثقف ميعش حمار والمثقف لازم يقرا فى كل المجالات واحنا عندنا مكتبه شاملة "

حين اساله عن معلومه يقول لي "معرفش..اقرا " ويذكر لي اسم كتاب يمكنني الرجوع اليه ,حاولت فى بعض اوقات الفراغ لكني لم اقرا واكتفي بتصفح عناوين الكتب واتذكر توقفي دائما عند عنوان كتاب "احجار علي رقعه الشطرنج ",قررنا ان ننقل الكتب المتناثره في كل الغرف واركانها وتحت السرير الي مكتبة كبيره جديده جهزناها فى الدور العلوي ولتكون بعيدة عن امن الدولة نقلنا كل الكتب وكلها معنونه فى الاعلي ب ر.ر.ر الحروف الاخيره من اسمه الثلاثي , ثم طلبت منه ان انظم المكتبه واضع كل مجال معرفي علي حده فوافق وبدات العمل وضعت التفسير والحديث والفقه فى جانب ثم السياسه والفلسفه وعلم النفس والتصوف فى جانب ثم التاريخ والجغرافيا والسيره النبويه وسير الصحابه والوجوديات فى جانب ثم الاسلاميين وتاريخهم والفكر الاسلامي فى جانب ووضعت الادب والنقد الادبي وعالم المعرفه فى جانب وبعد نهايه عمل كل يوم اكتب قائمه باسماء كتب لا اعرف الي اي مجال معرفي ستنتمي فيخبرني,اصبحت اعرف مكان كل كتاب بعدما كان يطلب مني ان احضر له كتاب وسط كتبه المتناثره ويخبرني فى اي غرفه ومكتبه ومكانه بالتحديد ويجلس احيانا بعد الصلاه يختبر قوه نظره وذاكراته ويشاور باصبعه علي كتاب,يقول لي الكتاب ده اسمه ..... هات كده وريني,اصبحت الآن احضر انا له الكتب لاني اعرف مكانها

ونحن نتناول الافطار قلت له "بابا انت قرات ديسوتوفسكي" ونطقتها بطريقه خاطئه ومسرعه فقهقه من الضحك وقال لي قول تاني كده فقولتها فاستمر فى الضحك ثم نطقها لي بطريقه صحيحه "ديستوفسكي " وكررتها وراءه . واستطرد " ايوا قراته كان عندنا سلسله روايات عالمية قرات اغلبها بس طبعا اخواتك شحتوها وضيعوها كلها ..اوعي تعطي لحد كتاب محدش بيرجع كتاب بياخده ابدا " ,سالته عن كُتابه المفضلين فقال لي العقاد وابو حامد الغزالي ونجيب محفوظ وسالته لِما اصبح طبيبا ولم يكتب فعندنا عشرات المسرحيات الي ألفها ولم ينشرها قال " اذا لم تحمل المصباخ من بيت الي بيت وان لم يفهم البسطا معانيها فآولي ان نذريها ونخلد نحن للصمت " وفضل العمل بين الناس في العمل الدعوي والخيري فمنزلنا امتلئ بعشرات الشباب وعشرات اللقاءات الدعويه وساهم مع اخوه له فى عمل مشاريع خيريه وامتلئ منزلنا بنسوه ورجال بعضهم يطلبون مساعدات ماديه وآخرون يطلبون منه التدخل لحل مشاكل عائليه وهوا فضل هذا الاعمال عن فتح عياده خاصه له واكتفي بالعمل الحكومي .

اخذني معة لمؤتمرات الاخوان التي كان متحدثا في معظمها فى نادي الاطباء لنصره القضيه الفلسطينية واهم هذه المؤتمرات حين كان احد الضيوف ابن حسن البنا والححت عليه ان ياخذني لاصافحه ,كان رجل ضخم سلم عليا وابتسم عدت مبتهجا لعده ايام لاني صافحت ابن حسن البنا

اقرا واتناقش معه ويمتد النقاش و ينتهي بنقص عندي في المعرفه فيحرضني "ابقي اقرا وتعالا نتكلم" وينهي النقاش في الحال ويغضب اذا اخطات فى معلومات تاريخيه عامه او اخطات فى الجغرافيا واقول له مثلا مش ايران جنب الهند فيغضب "قوم يابن الكلب مبتناقشش مع حد مش عارف بديهات الجغرافيا"

بدات اكتب وحلمت بان اصبح كاتبا كبير قرات كتاب التنوير يواجه الاظلام لجابر عصفور وبدات اشعر ان الاسلامين يشكلون خطرا علي حلمي بان اصير كاتبا كبير واحصل علي جائزه نوبل واحتدت المناقشات بيني وبينه بان الاسلاميين لا يهتمون بالادب والفن وكانت المناقشه بين اصدقاء فاتطاول احيانا-ياعم انتوا مبتفهموش حاجه -ولم يوقفها يوما لاحتدامها او لعدم احترام 

اكثر الاوقات قضيناها معا بجانب اذاعه مونتكرلو وبي بي سي ثم فيما بعد الجزيره واهم اللحظات مداخلات شيرين ابو عاقله وسقوط بغداد واحداث 11 سبتمبر وخطابات نصر الله ومشعل وجمعنا سجن طره حين اعتقل عام ومات من التعذيب احد رفاقه واكبر الآمال والانتصارات ليست متعلقه بآماله وانتصاراته الشخصيه ولكن بآمال وانتصارات الأمه وينتشي وهو يسرد الانتصارات التاريخية والانتصارات التي عاصرها ويكتئب بهزائمهم 

بابا انت روحت السينما قبل كده- 
يا ابن الكلب انا كنت بروح كل اسبوع يوم الثلاثاء وكنت وانا مروح ارجع مشي من طريق المقابر 

ويسرد لي اهم الافلام التي شاهدها "ذهب مع الريح وفيلم الطيب والشرير والقبيح " وطلب مني يوم ان نشاهد علي الكمبيوتر فيلم ذهب مع الريح سويا لم يتذمر حين امتدت النقاشات وانا ادافع عن ماركس ولينين واليسار والعن الاسلاميين وحسن البنا وامتدت النقاشات حول قضايا وجوديه وكانت النقاشات دوما بعد وجبات الطعام او بعد الصلاه بني مسجدا ومجمع خيري كبير برفقة اخوه له فى العمل الخيري وكان عندما يحث بالرثاء للبؤساء الضعافء يود لو يطعهم من قلبه الوجيع ودخل مجلس الشعب ولم يحزن حين زُورت الانتخابات ,لكنه سأم قلت له ياابي قد كنت في ما فات من ايام محاربا صلبا وفارسا همام ماذا جري للفارس الهمام

يابني مهو انا روحت اخطب فى مسجد شالوا الامام وحتي عامل النضافه الشباب بقي يكملوا الطريق
وابي مثلي حين يسأم تثقفل قدماه ويحملها حملا ظل يحملها حتي امتلات بانكسارات واصبحت ثقيله

تهلل بالثورة التي تمناها ولكنه لم يتوقعها يوما وتهلل بانتصار الاخوان ويحكي انه فى المعتقل قال للمحقق سننتصر وسنحكم البلد بعد 5 اعوام ويبتسم ابتسامه كبيره " سبحان الله " لم يحبذ دخول الرئاسه ولم ينتخب مرسي فى الجوله الاولي ولكنه انتخبه فى الثانيه وراي ان الله ارد ان ينصر الاسلاميين ويبتهج " انه راي فى عمره انتصار الاتحاد السوفيتي وسقوطه وبدايه الامبراطوريه الامريكيه وها هو يري سقوطها وانتصار الاسلاميين

بعد 30 يونيو واعلان مهله 48 ساعه قال لي ان الجيش سيرضي المتظاهرين وسيبقي الرئيس ضحكت وقلت له - والله انتهي الموضوع خلص قبل الخطاب بدقائق لم يتوقف عن التردد علي المرحاض وانا اضحك -وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك فى ظلال مبين

بس ياغبي انت مبتفهمش حاجه-

قبل احداث رابعه العدويه بيوم قلت له

ياابي اني رأيت اني اذبحك -

يابني افعل ما تري ستجدني ان شاء الله من الصابرين -

بكي ابي ولم اراه يبكي إلا قليللا, بكي ونحن نسمع قصيدة فى القدس لتميم البرغوثي وحين وفاة احد اقاربه وفي احداث غزه 2008 وهوا يري وائل غنيم وهوا يبكي مع مني الشاذلي وفى المشهد الاخير لمسلسل يتربي فى عزو عند موت ماما نونه

مال ابي للصمت وتثاقلت الدنيا واثقلت قدماه حتي حملها بعكاز يتكأ عليه" وابي يهبط الجبل وانا اصعده لكننا نحصد فى ارض واحده" اري فى ابي مستقلبي سترهقنا الايام ونتردد علي المرحاض حتي سننتهي بعمليه البروستاتا وبحمل عكاز 

ياابي هل تعبت أري عرقا فى عيونك- 

ياابني تعبت.. أتحملني- 

مثلما كنت تحملني يا أبي، وسأحمل هذا الحنين إلى أولي وإلى أوله وسأقطع هذه الطريق إلى آخري وإلى أخره. محمود درويش





No comments:

Post a Comment