Friday, January 9, 2015

متاحف الهولوكوست..العمارة كوسيلة للدعاية

أثناء دراستي الجامعية -قسم العمارة- حضرت محاضرة عن المتحف اليهودي ببرلين, لم أحضر للمعرفة أكثر عن المتحف, ولا لكونه مبني معماري مهم ولكن لأن المحاضرة لأحد الأصدقاء الذين سبق لهم زياره المتحف.
قبل المحاضرة كان عندي مشكلة مع تجريد الأفكار فى المشاريع المعمارية. فأغلبها كان يجرد الأفكار فى المساقط الأفقية وكتل المبني وحينها أنت  تحتاج إلي طائرة هليكوبتر لكي تري فكرة المبني من أعلي ,بالإضافة الي أنك كمستخدم لا تشعر بتلك الأفكار وأنت تستخدم الفراغ المعماري, لكن دانيال ليبسكند المعماري الذي صمم المتحف اليهودي جرد الأفكار داخل الفراغات المعمارية وفى المساقط الأفقية أيضا. فبداية بالمسقط الأفقي أعاد ترتيب النجمة السداسية التي أُجبر اليهود علي إرتدائها وهم يسيرون فى الشوارع أثناء الحكم النازي  بشكل آخر ذو ست زوايا حادة, واحترم هذا الشكل شجرة كانت موجودة فى المنتصف فتجنب إزالتها والتف المبني من حولها .ولكي يشير الي بداية الحكاية والمعاناة جعل مدخل المتحف من المبني المجاور له, مبني قديم كان محكمة فى عصر هتلر, تهبط سلالم المبني القديم لتصبح فى دور تحت الأرض فتجد أمامك ثلاث ردهات ترمز الي ثلاث محاور, الإستمرارية والمنفي والموت .

الردهة الأولي وهي الأطول ردهة الاستمرارية تقودك فى نهايتها الي سلم مرتفع جدا تجد أحيانا أثناء صعودك درابزين تستند عليه وأحيانا لا تجده, لتشعر بكيف كان الطريق علي اليهود صعب ومرهق يقودك هذا السلم إلي المتحف وصالات العرض.
الردهة الثانية ردهة الموت فى نهايتها باب اسود, تفتحه لتجد نفسك فى فراغ ضيق يبلغ إرتفاعه 24 متر ويوجد فيه فتحة صغيرة مضيئة  فى زاوية فى أعلي نقطة فى الفراغ يسمي هذا الفراغ "برج الهولكوست"..فرغم  كل هذا الظلام والموت والآلام هناك فى الأفق يلوح نور.
الردهة الثالثة ردهة المنفي تقودك إلي خارج المتحف إلي حديقة المنفي ,سطح خرساني مائل تتمايل وأنت تسير عليه وتنمو فيه اشجار فى كتل خرسانية..اليهود شقوا طريق الحياة فى المنفي بصعوبة ومشقة كتلك الأشجار التي نمت وسط الكتل الخرسانية ورغما عنها.
بعد صعودك الي المتحف من الردهة الأولي "الإستمرارية" يوجد فراغ يوجد فيه 10 آلاف قطعة معدنية دائرية مفرغ بداخلها عينين وأنف,وأنت تسير عليها تتصادم القطع المعدنية و تسمع صراخ وعويل تصادمها.


هذا المشروع لدانيال ليبسكند كانت مشاركته فى مسابقة معمارية لبناء متحف جديد بدل المتحف الذي كان يوجد فى نفس الموقع واغلقه الجوستابو أثناء الحكم النازي, مشاركة ليبسكند كانت بعنوان between the line - بين الخطوط -واستوحي الاسم من الكاتب والتر بينجامين كاتب يهودي درس الفلسفة والنقد وكتب مسرحية من ثلاث فصول "one way street" ولم يكتب الموسيقي التي ستعزف خلف نهاية الفصل الثاني وكتبها لاحقا فى دفاتر بعنوان "between the line" .
يزور المتحف قرابة مليون شخص فى العام,وكل المعمارين فى العالم يودون زيارته ومن سبق له الزيارة يحتفي كثيرا بصوره داخل المتحف.
منذ عده شهور قررت أن أبحث عن مسابقة معمارية لكي اشارك فيها وأثناء بحثي فى المواقع المتخصصة للمسابقات وقعت عيني علي مسابقة معمارية للإحتفاء بالبولنديين الذين أنقذوا اليهود أثناء الحكم النازي ,قررت علي الفور أن هذه ستكون المسابقة التي سأشارك فيها والسبب هو بالطبع انبهاري بما فعله ليبسكند ورغبة فى أن أُبدع عمل فني كعمله ,قُبلت كمشارك فى المسابقة.
الممول للمشروع المقررة ميزانيتة ب 800 الف دولار امريكي
 زيغمونت رولات Zygmunt Rolat ولد عام 1930 نجا من المحرقة, فأخوه الوحيد أُعدم رميا بالرصاص مع ستة من اليهود وقتل والده ووالدته فى معسكر الإبادة "تربلينكا" وتم ترحيل زيغمونت إلي معسكر عمل فى" شيستوشوا " وسافر بعد الحرب الي أمريكا.
بدأت فى البحث عن المتاحف والنصب التذكارية  فوجدت أن هناك حوالي 65 متحف عن الهولكوست  وحوالي 94 متحف عن اليهود منتشرون حول العالم, هذا غير العشرات من النصب التذكارية والمراكز البحثية والتعليمية الخاصة بالهولكوست واليهود .
أغلب هذا الاعمال يقوم بها الناجون من المحرقة ففى أستراليا مثلا أسس الناجون من المحرقه متحف ومركز بحثي بحثي يصطحبون بأنفسهم الزائرون داخل المتحف ويركزون أكثر علي الشباب فالمتحف يزوره سنويا 16 ألف طالب.
تلاحظ أيضا الدأب والمثابرة, ففي ولاية أريجونا فى الولايات المتحدة بدأ مقترح نصب تذكاري عام 1994 من قبل مجموعة من الناجيين من المحرقة وتم افتتاحه عام 2004 ,وجمع الناجون رماد من ستة معسكرات إبادة فى بولندا وألمانيا لتكون ضمن النصب التذكاري.يتناثر حول النصب التذكاري مجموعة أعمال فنية من البرونز,حقائب وجيتار ونظارات تشير الي ماتركه اليهود وهم فى طريقهم الي معسكرات الإبادة  و تجد بجوارك مثلا علي المقعد تمثال صغير لجثة طفل وعلي الأرض دمية محترقة.
أشجارجريحة مضمده بأقمشة  حول متحف الهولوكوست "كازيرن دوزين
" Kazerne Dossin فى بلجيكا الذي بُني علي أنقاض ثكنة تم تجميع فيها 25 ألف يهودي قبل ذهابهم إلي معسكرات الإعتقال والإبادة فى بولندا والمانيا.


و زهرة ضخمة من الحجر علي أنقاض معسكر الإعتقال " ياسينوفاتش" فى كرواتيا .
ليس فقط المثابرة حتي بناء المتحف او النصب التذكاري ولكن فى حمايته وإعادة ترميمه ففى أمريكا فى ولاية كاليفورينا تتعرض الجثث وتمثال يقف بجوارهم حوله سياج إلي كتابات ورش" سبراي" أحمر بشعار هتلر النازي فأعيد ترميم النصب التذكاري أكثر من مره ,الجثث من البرونز الأبيض وصمم هذا النصب لضحايا الهولوكوست جورج سيجال.
المتحف الأكبر والأضخم فى الهولكوست فى إسرائيل "ياد فاشيم " زاره الرئيس السابق أنور السادات أثناء زيارته الشهيره إلي إسرائيل يحتوي المتحف علي 68 مليون وثيقة حول الهولكوست و 112 ألف كتاب, بدأ بناء المتحف عام 1953 ويتم التطوير فيه حتي الآن يوجد العديد من الأعمال الفنية حول المتحف .
فيوجد تمثال يانوش كوزاك "Janusz Korczakt" وهوا يحتضن أطفال كان مسئول عنهم فى دار رعاية للأطفال اليهود قبل الحكم 
 النازي ,لم يترك الأطفال وهم يُساقون الي معسكر الإبادة  تريبلينكا رغم أنه كان بامكانه الهرب وأُعدم معهم, كما يوجد نسخه من عمل فني "لنادور جليد " جثث تصرخ وتتألم, ويوجد النسخة الأصلية من العمل فى جنوب ألمانيا بجوار معسكر الابادة" داخاو  Dachau 

اطلعت علي كل هذا وغيره وبدأت بمشاهدة العديد من الأفلام الوثائقية والسينمائية حول الهولوكوست, حتي جائت الفكره ستكون الخطوط الرئيسية لي فى المشروع هي خطوط القطارات التي نقلت اليهود الي معسكرات الإبادة فى بولندا وسوف أقطع هذا الخطوط "بمقاعد" تحمل أسماء بولنديين أنقذوا يهود وستكون عنوان مشاركتي
poles who stop the train  "البولنديين الذين اوقفوا القطار" بدأت فى الرسم وطباعة الخرائط وقراءة  قصص البولنديين الذين أنقذوا اليهود ولكني استغرقت فى البحث والقراءة وقت أطول مما ينبغي ولم أسطتيع ان أصل لعمل معماري نهائي متكامل ولم أُرسل مشاركتي.

المتحف اليهودي ببرلين وغيره من الأعمال المعمارية والفنية حول الهولوكوست قد لا تجعلك تغير رأيك وتصبح متحيز لقضيتهم ولكنها تترك بداخلك آثر وشغفا ورغبا فى المعرفة أكثر عن الهولكوست.


No comments:

Post a Comment